أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

624

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

صلاح حالكم وهدايتكم . قوله : لا يَضُرُّكُمْ قرأ الجمهور بضم الراء مشددة . وقرأ الحسن البصري : « لا يَضُرُّكُمْ » بضم الضاد وسكون الراء ، وقرأ إبراهيم النخعي : « لا يضركم » بكسر الضاد وسكون الراء ، وقرأ أبو حيوة : « لا يضرركم » بسكون الضاد وضم الراء الأولى والثانية . فأمّا قراءة الجمهور فتحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون الفعل فيها مجزوما على جواب الأمر في « عَلَيْكُمْ » ، وإنما ضمّت الراء اتباعا لضمة الضاد ، وضمة الضاد هي حركة الراء الأولى نقلت للضاد لأجل إدغامها في الراء بعدها ، والأصل : « لا يضرركم » ، ويجوز أن يكون الجزم لا على وجه الجواب للأمر ، بل على وجه أنه نهي مستأنف ، والعمل فيه ما تقدّم ، وينصر جواز هنا على المعنيين المذكورين من الجواب والنهي قراءة الحسن والنخعي فإنهما نصّ في الجزم ولكنهما محتملتان للجزم على الجواب أو النهي . والوجه الثاني : أن يكون الفعل مرفوعا وليس جوابا ولا نهيا ، بل هو مستأنف سيق للإخبار بذلك ، وينصره قراءة أبي حيوة المتقدمة . وأمّا قراءة الحسن فمن « ضاره يضوره » كصانه يصونه . وأما قراءة النخعي فمن « ضاره يضيره » كباعه يبيعه ، والجزم فيهما على ما تقدم في قراءة العامة من الوجهين . وحكى أبو البقاء : « لا يضرّكم » بفتح الراء ، ووجهها على الجزم ، وأن الفتح للتخفيف وهو واضح ، والجزم على ما تقدم أيضا من الوجهين . وهذه كلّها لغات قد تقدّم التنبيه عليها في آل عمران « 1 » . و مَنْ ضَلَّ فاعل ، و « إِذَا » ظرف محض ناصبه « يَضُرُّكُمْ » أي : لا يضرّكم الذي ضلّ وقت اهتدائكم ، ويجوز أن تكون شرطية وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه . وقال أبو البقاء : « ويبعد أن تكون ظرفا ل « ضَلَّ » لأنّ المعنى لا يصحّ معه » . قلت : لأنه يصير المعنى على نفي الضرر الحاصل ممّن يضل وقت اهتدائهم ، فقد يتوهّم أنه لا ينتفي عنهم ضرر من ضلّ في غير وقت اهتدائهم ، ولكّن هذا لا ينفي صحّة المعنى بالكلية كما ذكره . قوله تعالى : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ : هذه الآية وما بعدها من أشكل القرآن حكما وإعرابا وتفسيرا ، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكعّون عنها حتى قال مكي بن أبي طالب - رحمه اللّه - في كتابه المسمى بالكشف : « هذه الآية في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي في القرآن وأشكلها ، قال : « ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر » قال : وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد » . وقال ابن عطية : « وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها ، وذلك بيّن من كتابه » وقال السخاوي « 2 » : « لم أر أحدا من العلماء تخلّص كلامه فيها من أولها إلى آخرها » . وقال الواحدي : « وهذه الآية وما بعدها من أغوص ما في القرآن معنى وإعرابا » قلت : وأنا أستعين اللّه تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءتها ومعرفة تأليفها ممّا يختصّ بهذا الموضوع ، وأمّا بقية علومها فنسأل اللّه العون في تهذيبه في كتابي « تفسير القرآن العزيز » إن شاء اللّه ، وبه الحول والقوة .

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 144 ) . ( 2 ) علي بن محمد بن عبد الصمد كان إماما علامة مقرئا محققا مجودا بصيرا بالقراءات وعللها إماما في النحو واللغة والتفسير توفي سنة ( 643 ) انظر بغية الوعاة ( 2 / 192 ) .